كان أكبر حدث فني في بورصة الفن العالمي، خلال هذا العام، هو بيع لوحة دورا مار والقطة للفنان بابلو بيكاسو في مزاد ثوثبي بنيويورك بمبلغ 95 مليون دولار، وعدت هذه اللوحة من أغلى اللوحات في تاريخ الفن الحديث بعد لوحة الصبي والغليون التي بيعت بمبلغ 104 ملايين دولار، ودورا مار التي اقترن اسم بيكاسو بها خلال العام 1935 هي أشهر عشيقاته، وهي كرواتية الأب، فرنسية الأم، وقد رسمها في عشرات اللوحات، ولم يترك ملمحا أو تعبيرا من تعابيرها دون أن يخلده بريشته، فهذه دورا باكية، وتلك وهي تسرح شعرها، وثالثة وهي مستلقية، وأخرى وهي تفكر.. بحيث أن هنالك من النقاد من يرى أن بيكاسو لم يرسم في الحقيقة سواها، رغم أن عشرات النساء وقفن أمامه.
شاهد بيكاسو دورا للمرة الأولى في مقهى دوماجو في حي السان جيرمان، في شتاء 1935، وكانت هي ترتدي قفازا أسود مطرزا بأزهار وردية.
يذكر بيكاسو أنها دخلت المقهى ودارت بعينيها في أرجائه، ثم اتخذت لنفسها مائدة صغيرة قريبة من تلك التي كان يجلس هو إليها، ثم أخرجت من جيبها مدية صغيرة ذات نصل رفيع وراحت تغرسها بين أصابعها المفتوحة على المائدة الخشبية! وقد أخطأت مرة الضربة فإذا بنقط من الدم تغرق كفها الأسود.
ذهل بيكاسو وهو يرى ما تفعله هذه المرأة بنفسها، فسارع يتقدم منها ويطلب أن تمنحه شرف الاحتفاظ بالكف الدامي! ولم تتأخر دورا في تلبية طلبه، وكان هذا الكف الذي ظل يحتفظ به في خزانته حتى مماته بداية القصة في فصولها الغرامية، ومما زاد من تقديره لها اكتشافه عمق ثقافتها، وأنها تميل إلى الحوار والنقاش الفني بعكس عشيقاته السابقات البعيدات كل البعد عن دائرة الاهتمام بالنواحي الثقافية والفنية.
وبعد توطد علاقتيهما انتقلت لتعيش معه في بيته الذي كان يقع في شارع لا بويزي، رغم أنه كان يعيش مع امرأة أخرى هي ماري تيريز.
تضايقت دورا من المكان ومن ماري، فطلبت من بيكاسو الانتقال إلى شقة أخرى، وكان لها ما أرادت، إذ لملم بيكاسو لوحاته وألوانه، وسكنا في أحد مباني شارع جراند أوجستان قرب الحي اللاتيني، وفي هذا المبنى كانت دورا مار التي بدأت حياتها كرسامة، الشاهدة الوحيدة على ميلاد لوحة الجرنيكا التي كان يناقشها في كل خطوة من خطوات إنجازها، حتى أن دورا مار تمثل المرأة الصارخة وسط اللوحة التي تستنكر أهوال الحرب.
وعندما أدركت دورا مار أهمية هذا العمل الذي خلدها فيه إلى جانب تخليد الضحايا الذين سقطوا من أبناء الجرنيكا خلال الحرب الأهلية الأسبانية، قامت بشراء آلة تصوير وراحت تلتقط الصور الفوتوغرافية يوميا لكل مراحل العمل. وخلال حياتها معه، رسمها عشرات المرات، وفي كل الأوضاع، ويقال إنها كانت تتجمل وتتزين قبل أن تجلس أمام بيكاسو ليرسمها، رغم علمها أنه لن يرسمها بطريقة واقعية، وكان يرسمها أحيانا بطريقة تعبيرية وتكعيبية بخطوط بسيطة ومعبرة، تركز على عينيها الداكنتين، وعلى وجهها المستطيل الأمامي والجانبي.. حتى انه جعل من وجهها في هذه اللوحات يكتسب توازنا كلاسيكيا بفضل الهدوء المسترخي لملامح الوجه، مما يجعل المشاهد يتساءل: هل كان بيكاسو آنذاك يعبر عن خوفه من العزلة؟ ومن أهم وأشهر اللوحات التي رسمها بيكاسو لدورا مار لوحة المرأة الباكية، التي بيعت في العام 1998 بمبلغ 6، 6 مليون دولار، والمرأة الباكية هي لوحة رمزية لفترة الحرب الإسبانية، وقد وصف بيكاسو يوما تلك اللوحة وهو يتحدث مع صديقه وزير الثقافة أندريه مالرو: إنها امرأة كانت تبكي على الدوام… إن النساء كلهن ماكينات مستعدات لذرف الدموع!. ومن أشهر لوحاته أيضا لوحة دورا مار والقطة (1941) حيث تظهر في الأخيرة جالسة على كرسي وقد برزت قطة سوداء على كتفها الأيمن… لكن دورا مار لم تغفر لبيكاسو انه رسم صديقته السابقة ماري تيرنر في لوحة مشابهة لإحدى لوحاتها! إلا أن قصة الحب الحميمة التي جمعت بين بيكاسو ودورا مار، كان لا بد أن تنتهي، ففي ربيع 1943، هجرت دورا مار بيكاسو بعد أن أدركت أنه لا يستطيع الإخلاص في الحب، فقد تعرف بيكاسو في تلك الفترة إلى امرأة جديدة هي الرسامة فرانسواز جيلو، واتخذها زوجة أنجبت له ولديه كلود وبالوما.
والغريب أن بيكاسو كان يمتلك أسلوبا يجعله يحافظ على صداقة حبيباته، حتى بعد أن تنتهي قصة الغرام بينه وبينهن، لقد استطاع أن يقنع دورا مار بأن تبقى صديقة وفية له، يلتقيان ويتحدثان ويتبادلان الهموم مثل أي رفيقين. لكن يبدو أن العاشقة المسكينة لم تتحمل خروجها من بؤرة اهتمامه، عندما اصطحب فرانسواز جيلو إلى الصالة التي كانت دورا مار تعرض فيها أعمالها الفوتوغرافية، الأمر الذي أصابها بخيبة كبيرة، فأصيبت بانهيار عصبي، أدخلت على أثرها إلى مستشفى الأمراض العصبية، وهنا تتواصل القصة في فصولها السحرية، حين تولى بيكاسو مهمة الإشراف عليها في فترة مرضها، كما إنه دفع تكاليف علاجها، وتحدث مع صديقه الطبيب النفسي المعروف جاك لاكان لكي يساعده في إخراجها من المستشفى. عادت دورا مار إلى بيتها الذي اشتراه لها بيكاسو بثمن إحدى لوحاته في العام 1945، في بلدة مينيرب، لا تغادره، مكتفية بالتجول بين اللوحات التي أهداها بيكاسو إليها، بوصفها الملهمة والرفيقة. ومن بعيد، تابعت أخباره، وعرفت انه صار أشهر رسام في القرن العشرين، وأن كل خط من خطوطه بات يباع بآلاف الفرنكات أو الدولارات، وأدركت أنها تعيش وحيدة، لكنها محاطة بثروة من اللوحات، التي لا تقدر بثمن، لكن دورا مار التي كانت توصف بأنها صاحبة الوجه الأكثر شهرة في أوروبا، لم تبع أيا من تلك اللوحات كي تتمتع بها في حياتها، فقد فارقت الحياة في صيف العام 1997 عن تسعين عاما، قبل أن تشاهد مزاد لوحة دور مار والقطة التي بيعت هذا العام بمبلغ 95 مليون دولار، وببيع هذه اللوحة أسدل الستار على واحدة من أغرب وأشهر قصص العشق والإبداع والإلهام في القرن الماضي، فالبشر يرحلون، سواء كانوا فنانين أم ملهمات، والذي يبقى من أثرهم، هو ما أبدعوه من لوحات تنطق بالفن الرفيع.