حظيت جوانب حياة العمال باهتمام بارز في نتاجات العديد من الفنانين العالميين والعرب ، وشكلت مصدرًا هامًا إللهامهم الجمالي عندما عكسوا على مسطحات لوحاتهم واقع العمال الصعب وعّبروا عن الدور الذي ما زالوا يلعبونه في عملية البناء، كما وقفوا إلى جانبهم من اجل تحسين أوضاعهم ورفع الظلم عنهم.
وإذا كنا اليوم نعود إلى الحديث عن الفن العمالي، إنما نعود إليه باعتباره ظاهرة تاريخية، فرضت وجودها بعد التطورات السياسية التي شهدها القرن الماضي، لكنها لم تخرج من إطار الفن البرجوازي الذي كان يريد نقضه، لذلك خف بريق هذا الفن وتراجع تواجده ضمن حركة الفن التشكيلي اليوم.
وقبل الوقوف على كيفية تناول ومعالجة هذا الموضوع في نتاجات الفنانين التشكيلين، ال بد من اإلشارة بأنه، ظهر في الحركة الفنية في القرن التاسع عشر ـ بعد ظهور الحركة العمالية في أوروبا ـ تيارات تدعو إلى ابتكار فن عمالي خالص، وتحول الموقف من هذا الفن في العديد من الحاالت إلى إشكال، دار حوله الجدل في العديد من البلدان االشتراكية.. ومع بداية ستينات القرن الماضي انتقل الجدل إلى بعض الصحف العربية التي دعت إلى ربط الفن بالحياة.
وهذا الفن ) العمالي (، تجلى في لوحات الفنان الروسي ) إيليا ريبين (، وبشكل خاص في لوحة )عمال المراكب على الفولغا ( 1873 حيث صور في هذه اللوحة نضال العمال وتعبيرات وجوههم وانفعاالتهم أثناء سحبهم للمراكب من النهر، وقد أبرز الفنان من خالل مشخصاته العمل المجهد الذي يقوم به العمال البحارة.
أما الفنان ) فان كوخ ( الذي عاش بين عمال المناجم والفالحين فقد رسمهم في عشرات اللوحات، أثناء عملهم وأثناء قيلولتهم، وأدرك ) كوخ ( ما كان يعانيه العمال من سوء الحال، وضنك العيش، فساهم معهم في إضرابهم، وطالب برفع أجورهم.
ومن الفنانين الذين تناولوا ) العمال ( على مسطحات لوحاتهم نذكر: ” غويا ” و ” دوميه ” و ” كوربيه ” و ” ومونيه ” وغيرهم… وقد كان هؤالء الفنانين ال يرون سوى المظهر الخارجي للعمال، ولذلك ظلت أعمالهم وصفية على األغلب، منطلقين في أفضل األحوال من مواقع أخالقية في النظر إلى العمال، دون إدراك المغزى السياسي للصراع واالضطهاد الذي كانوا يتعرضون له على يد أصحاب العمل.
وبما أن الفن مرتبط بمجمل جوانب الحياة االجتماعية واالقتصادية والسياسية، فقد وجد الفنانون في الواقعية االشتراكية، الصيغ الجديدة والضرورية في التعبير عن واقع العمال، وهذا ما عكسته نتاجاتهم الفنية بعد ثورة أكتوبر االشتراكية التي قادت إلى التعاطف مع شريحة العمال والتحريض الثوري، ومع ذلك فإن هذا الفن ) العمالي (، عاش إشكاالت نظرية كثيرة في البلدان االشتراكية، ويأتي في مقدمتها االختالفات الجذرية بين النقاد وأصحاب النظريات حول فهم الواقعية أو الفن ) العمالي (، أي الفن الملتزم بالكفاح السياسي للعمال.
وكان الفنانون يفضلون في األغلب تجاهل تلك التسميات والتحديدات الفنية التي أصبحت شمولية وعامة إلى حد فقدان المعنى. وهذا ما عّبر عنه الكاتب الكبير لوكاش، للفن نفسه، فما يهم في نظره هو الفن في تعبيره الجمالي، هذا التعبير الذي يعتبر بحد ذاته قيمة جمالية كبيرة.
عندما رفض مثل هذه التسمية، واعتبرها تسطيحًا للواقعية االشتراكية، يخالف كل وربما كان لويس أراغون الذي تقاطع معه في هذا الرأي أكثر جرأة من النقاد، وأصحاب النظريات، عندما وضع تعريفًا جديدًا التعريفات السابقة: ” الواقعية االشتراكية تعني انتماء الفنان، أما الشكل الذي يتخذه إبداعه فهو أمر خاص به “.
وهذا التعريف ينطبق على الفنان بيكاسو الذي انتمى بعد نهاية الحرب العالمية الثانية إلى الحزب الشيوعي الفرنسي، وهذا يعني من وجهة نظر الواقعية االشتراكية أنه انتقل إلى االلتزام بكفاح العمال، لكن بيكاسو الشيوعي لم يتناول العمل والعمال على مسطحات لوحاته.. لذلك لم تكن لوحاته، لوحات عمالية، ولم يكن بمقدور أحد المجازفة في إطالق مثل هذا االدعاء، ولذلك ظل النقاد االشتراكيون أثناء حياة بيكاسو وبعد رحيله، يتجنبون تقديم دراسة معمقة عنه من وجهة نظر الواقعية االشتراكية.
لكن كيف تناول الفنان التشكيلي العربي موضوع العمل والعمال؟
بداية ال بد من اإلشارة بأننا لسنا هنا في صدد اإلحاطة بكل ما تم إنجازه في الفن التشكيلي العربي من أعمال حول موضوع العمل والعمال، إذ يستحيل علينا أن نجمع كل ما أنتج من أعمال فنية حول هذا الموضوع.. ألن هذا بحاجة إلى دراسة طويلة ومعمقة، لكننا سنتناول بعض النماذج الفنية التي نراها هامة، وحتى نعطي صورة واضحة عن هذا الموضوع، نبدأ بلوحة اإلضراب ) 1954 ) للفنان الفلسطيني الراحل إسماعيل شموط، وتعتبر تلك اللوحة من أولى نتاجات شموط التي تتعرض للنضال المطلبي للعمال، حيث يعّبر الفنان عن إضراب سائقي حافالت وكالة الغوث الدولية من أجل تحسين أوضاعهم المعيشية، ومن جهة أخرى فإن أهمية موضوعة العمل تظهر بشكل واسع في الملصقات الفلسطينية المكّرسة لذكرى األول من أيار وما يمجده.
ومن الفنانين الذين تناولوا على مسطحات لوحاتهم ) العمل والعمال (، وبشكل خاص عمال ) مقالع األحجار (، الفنان السوري نذير نبعة في العام 1964 ،حيث صّور العمال عام 1964 في مجموعات مترابطة مع بعضهم، وأشعرنا من خالل تلك المجموعات بأهمية ما يقوم به هذا العامل لناحية توفير الحجارة من أجل استمرارية العمران والحياة، وكذلك استمرارية العمل عندما أكد على حركة العمال، وقد اتسمت أعماله بمالمح من الواقعية الحديثة ـ المتحررة ـ من حيث بناء عناصر اللوحة والعالقات بينها.
وقدم الفنان القطري الراحل ” يوسف الشريف ” أعما ًال فنية امتزجت فيها رؤيته الخاصة بذلك اإللهام الفني الذي استوحاه من الواقع، لذلك ال تخلو أعمال الفنان من التعبير عن الجوانب اإلنسانية حيث تناول المواضيع التي ُتمِّجد العمل واإلنسان في تألقه عندما يعمل، وأوضح النماذج هي تلك اللوحة التي تصور استراحة ” الحّمال ” فوق أكياس الطحين بعد أن أنهكه التعب، وأخرى تصور شخصين يعمالن في صناعة السفن.
ويوسف الشريف يؤكد من خالل أعماله، أن الفن يجب أن يتجاوز مجرد التعبير عن الرؤى الفنية الخاصة، ليكتسب بعدًا اجتماعي ًا.. ألن من أهم مقومات الفن ” الحرية والخلق واإلبداع “.
وحاول الفنان المصري الكبير ” حامد عويس ” االقتراب من عامة الشعب على اختالف طبقاتهم وبخاصة العمال والفالحون الكادحون، فعَّبر من خالل الواقعية
االجتماعية عن آمالهم وأمانيهم في غد مشرق.
كما امتازت لوحات” عويس ” إلى جانب لوحة: ) خروج العمال ( و لوحة ) الحصاد (، بصفات الفن الصرحي والتكوين الملحمي الذي يشغل سطح اللوحة بغير فراغات أو مساحات خالية، واإليحاء بشموخ وصالبة وقوة البناء وبثقل األجسام واستدارتها وبالتركيز على العامل والفالح.
أما الفنان السعودي محمد الصندل فقد تناول في لوحة ” البناءون ” مجموعة من العمال وهم يقومون بعملية البناء فهناك من يحمل الخشب والماء وهناك من يعد مواد